محمد النويشي يكتب : « انتخابات حزب الوفد … عندما تُحرِج الديمقراطيةُ الأحزابَ الأخرى »
في مناخ سياسي تتراجع فيه الثقة العامة في الأحزاب، وتُختزل فيه السياسة أحيانًا
في مناخ سياسي تتراجع فيه الثقة العامة في الأحزاب، وتُختزل فيه السياسة أحيانًا في التعيين أو “التوافقات المغلقة”، جاء ما جرى داخل حزب الوفد ليكسر هذا
السياق السائد، ويُعيد التذكير بحقيقة جوهرية كثيرًا
ما يتم تجاهلها : الديمقراطية لا تُمنَح، بل تُمارَس، ولا
تُقاس بالشعارات، بل بالاختبارات الصعبة.
ما شهده حزب الوفد لم يكن مجرد انتخابات داخلية
على منصب رئيس حزب، بل مشهدًا سياسيًا مكتمل
الأركان، يصلح لأن يُدرَّس كنموذج في إدارة الخلاف،
واحترام إرادة الأعضاء، والاحتكام
الحقيقي للصندوق، دون تخوين أو إقصاء أو كسر.
- الوفد… حزب التاريخ حين يُمتحن
حزب الوفد ليس حزبًا عابرًا في التاريخ السياسي
المصري، بل هو حزب الحركة الوطنية، وحزب الدستور،
وحزب البرلمان، وحزب سعد زغلول ومصطفى النحاس
وفؤاد سراج الدين، ومن ثمّ، فإن أي استحقاق داخلي
فيه لا يُقاس بنتيجته فقط، بل بطريقته، وبما يعكسه
من احترام لتاريخه وثقله الرمزي.
وقبل الانتخابات، كان السؤال مشروعًا ومقلقًا :
هل ما زال الوفد قادرًا على إدارة منافسة حقيقية ؟
هل يستطيع حزب عريق أن يحتمل انقسام الرؤى
دون أن ينقسم تنظيمًا ؟
هل يمكن أن
تخرج الانتخابات بلا غالب مغرور ولا مهزوم مكسور ؟
الإجابة جاءت واضحة من القاعة، ومن الصندوق، ومن الأرقام : نعم.
- منافسة شريفة لا صراع نفوذ
المشهد الانتخابي داخل الوفد تميز بندرة أصبحت
غائبة عن كثير من الأحزاب المصرية :
برامج ورؤى بديلة، لا أوامر فوقية، ودعاية سياسية،
لا حملات تشويه، واختلاف في التصورات، لا خصومات
شخصية.
الدكتور السيد البدوي، بخبرته الطويلة ورمزيته
التنظيمية، دخل المعركة مدركًا ثقل اللحظة.
وفي مواجهته وقف الدكتور هاني سري الدين،
أحد أبرز العقول القانونية والسياسية، ممثلًا لدم جديد
يسعى لتحديث الأداء وتجديد الأدوات.
لم تكن المعركة بين شخصين، بل بين رؤيتين لإدارة
الحزب،
وهو ما منح الانتخابات قيمتها السياسية الحقيقية.
- الأرقام… شهادة نزاهة لا جدال فيها
في زمن يُشكك فيه البعض في كل نتيجة، جاءت أرقام
انتخابات الوفد لتغلق باب الجدل :
عدد الحضور: 2614 عضوًا
عدد الأصوات الصحيحة : 2596
عدد الأصوات الباطلة : 18 فقط
الدكتور السيد البدوي : 1302 صوتًا
الدكتور هاني سري الدين : 1294 صوتًا فارق ثمانية
أصوات فقط.
هذا الفارق الضئيل لا يقلل من شرعية النتيجة،
بل يعززها، لأنه يثبت أن كل صوت كان مؤثرًا،
وأن النتيجة لم تكن محسومة
سلفًا، وأن الجمعية العمومية لم تكن ديكورًا سياسيًا.
- فوز شرعي… ومسؤولية مضاعفة
فوز الدكتور السيد البدوي برئاسة حزب الوفد هو فوز
شرعي مكتمل الأركان، صادر عن إرادة الجمعية العمومية
بلا لبس أو شبهة لكنه في الوقت ذاته فوز يفرض
مسؤولية مضاعفة، في هذا التوقيت الحرج واسترجاع
راية الوفد مرة اخر لأن نصف الحزب تقريبًا صوّت لرؤية أخرى .
أما الدكتور هاني سري الدين، فقد خرج من المعركة بخسارة عددية، لكنه خرج رابحًا سياسيًا، بعدما أثبت
أنه رقم حقيقي لا يمكن تجاهله داخل المعادلة الوفدية .
والنجاح الأهم أن الحزب خرج من هذا الاستحقاق
موحدًا، بلا انشقاقات، وبلا بيانات تصعيد،
وبلا منطق الغالب والمغلوب الذي دمّر أحزابًا أخرى.
- إخفاق المرحلة السابقة … وانهيار الخطاب
ولا يمكن قراءة هذا المشهد دون التوقف أمام إخفاق
المرحلة السابقة، في ظل رئاسة الدكتور عبد السند يمامة،
رئيس الحزب المنتهية ولايته، والتي شهدت انهيارًا
واضحًا في الخطاب السياسي والتنظيمي.
تصريحات مرتبكة، وظهور إعلامي غير موفق في
اللقاءات التليفزيونية، وغياب رؤية سياسية جامعة،
كلها عوامل أسهمت في تراجع صورة الحزب جماهيريًا،
وفتحت الباب أمام انقسامات داخلية غير مسبوقة أضعفت التنظيم وأرهقت كوادره .
وقد انعكس ذلك بوضوح في النتائج الانتخابية، حيث
تراجع تمثيل الوفد إلى 8 مقاعد فقط داخل القائمة في
مجلس النواب 2025، ومقعدين في القائمة لا غير في
مجلس الشيوخ 2025، في واحدة من أضعف نتائج
الحزب تاريخيًا.
وهو تراجع حاد إذا ما قورن بفترة رئاسة الدكتور السيد
البدوي عام 2014، حين حصل الوفد في برلمان 2015
على 36 مقعدًا، من بينها وكيل مجلس النواب، ثم تراجع
فترة تولي المستشار بهاء ابو شقة عام 2018 ليصل
العدد في برلمان 2020 إلى 26 مقعدًا بمجلس النواب
و 6 عضوًا بمجلس الشيوخ،
وهذه الأرقام هنا ليست للحنين، بل للمحاسبة السياسية.
- رسالة تتجاوز حزب الوفد
أهمية هذه الانتخابات لا تتوقف عند حدود الوفد،
بل تمتد إلى كامل المشهد السياسي المصري. الرسالة
شديدة الوضوح :
الديمقراطية داخل الأحزاب ممكنة، وأيضا تداول القيادة
لا يهدد الكيانات، بل يحميها، والتنافس الحقيقي لا يؤدي
إلى الفوضى، بل إلى النضج السياسي.
وأتمنى –بصدق – أن أرى هذا المشهد يتكرر في مختلف
الأحزاب المصرية، خصوصًا أحزاب الموالاة للحكومة :
انتخابات حقيقية، مناقشات
مفتوحة، نزاهة، ورئيس حزب يأتي بالصندوق لا بالتزكية.
- من داخل الأحزاب يبدأ الإصلاح
استقرار الحياة السياسية وازدهارها وتطورها لن يأتي
بقرار فوقي، بل سيتشكل تدريجيًا من داخل الأحزاب
نفسها، وحين تُجرى انتخابات داخلية حقيقية، وحين
تُمارَس الديمقراطية والتعددية، وحين يُختار الرؤساء
والقيادات بإرادة الأعضاء … ساعتها فقط ستتعزز ثقة المواطنين في الحياة السياسية، وساعتها فقط تستعيد
الأحزاب دورها الطبيعي كجسر بين الدولة والمجتمع.
- كلمة اخيرة
ما جرى داخل حزب الوفد نقطة ضوء حقيقية في مشهد سياسي مُرهَق .... انتخابات حقيقية، منافسة نظيفة، أرقام شفافة، ونتيجة محترمة ويجب ألا يُحتفى به فقط بل يجب أن يُدرَّس ... لا كحدث عابر، بل كنموذج قابل للتكرار لو صدقت النوايا.
تحية لحزب الوفد ، وتحية لجمعيته
العمومية تحية لمنافسة شريفة أعادت الاعتبار للسياسة.
والرسالة الأهم :
الديمقراطية لا تموت في الأوطان … لكنها تحتاج أحزابًا تملك الشجاعة لممارستها.
وليت باقي الأحزاب المصرية تتعلم من هذه التجربة الديمقراطية الفريدة … لا أن تكتفي بالمشاهدة من بعيد.
#ديمقراطية_حقيقية
#انتخابات_رئاسة_حزب_الوفد
#فوز_السيد_البدوي_رئيسًا_لحزب_الوفد
القاهرة 